
من هم دعاة الانفصال الحقيقيون؟
من هم دعاة الانفصال الحقيقيون؟
للكاتب براق النبهان
عندما نتحدث عن تهديد وحدة سوريا، لا ينبغي أن يذهب العقل مباشرة إلى من يرفعون شعارات الحكم الذاتي أو الفيدرالية أو اللامركزية فقط. فهذه الطروحات، مهما اختلفنا أو اتفقنا معها، تبقى في جوهرها مشاريع سياسية قابلة للنقاش، تُقبل أو تُرفض بناءً على المصلحة الوطنية. لكن الخطر الحقيقي على وحدة الوطن لا يكمن دائماً في النصوص السياسية، بل في الخطاب الذي يُفكّك النسيج الاجتماعي من الداخل.
إن أخطر ما يهدد سوريا اليوم هو لغة الطائفية والعرقية والمناطقية، تلك اللغة التي تُقصي مكوناً، وتحتقر آخر، وتستهزئ بثالث. إن من يمارس هذا الخطاب ــ أيّاً كان انتماؤه ــ هو في الحقيقة داعية انفصال، حتى لو ادّعى أنه ضد التقسيم. فالوطن لا يُقسَّم فقط على الخرائط؛ أحياناً يُقسَّم في القلوب أولاً، وعندما يحدث ذلك يصبح تقسيم الأرض مجرد تحصيل حاصل.
الانفصال ليس شعاراً سياسياً فقط… بل سلوك وخطاب
إن من يتحدث بلغة طائفية مقيتة، أو يهاجم طائفة بعينها، أو يحاكم أبناء منطقة كاملة بسبب مواقف فردية، أو يجعل العرق أو الطائفة أو الحيّز المكاني هو أساس خطابه… هو يمارس أخطر أشكال الانفصال.
من يفتقر إلى الهوية الوطنية الجامعة، ويستبدلها بانتماءات ضيقة، هو في الحقيقة أخطر على البلاد من أي مشروع سياسي مطروح للنقاش.
من يستخدم خطاب الإقصاء، ويطعن الآخرين بمكان ولادتهم أو مذهبهم أو تاريخهم الاجتماعي، ويمارس الشتم والتحريض، هو مساهم مباشر — بقصد أو بدون قصد — في تفتيت المجتمع وفي خلق بيئة خصبة للتقسيم.
الوحدة مسؤولية خطاب قبل أن تكون مسؤولية حدود
إن وحدة سوريا لا تُصان بالشعارات بل بالممارسة اليومية، وبالكلمة التي تُقال، وبالنية التي تُبنى عليها الخطابات.
من يريد فعلاً وحدة سوريا عليه أن:
• يتحدث بلغة وطنية جامعة لا تُقصي أحداً.
• يرفض كل خطاب يثير النعرات أو يزرع الأحقاد.
• يتوقف عن استخدام الطائفة أو العرق أو المنطقة كمعيار للحكم على الناس.
• يضع المصلحة الوطنية فوق كل اعتبار شخصي أو مناطقي أو مذهبي.
• يتصدى — بالكلمة والموقف — لكل من يحاول تقسيم المجتمع قبل الأرض.
مثيرو الفتن… هم الخطر الحقيقي
إن دعاة الانفصال الحقيقيين هم أولئك الذين يشعلون الحرائق في النفوس، ويتلاعبون بالهويات، ويزرعون الشك بين أبناء الوطن الواحد. هؤلاء يجب أن نتصدّى لهم جميعاً، لأن خطابهم لا يبني بل يهدم، ولا يجمع بل يفرق، ولا يداوي الجراح بل يعمقها.
على الجميع — وخاصة النخب المثقفة والواعية — أن يتحمّلوا المسؤولية الأخلاقية والوطنية في مواجهة هذا النوع من الخطاب. فالكلمة أحياناً أخطر من الرصاصة، وإذا سلّمنا مجتمعنا لأصحابها فإننا نفتح الباب لكل أشكال التمزق والانقسام.
لغة واحدة… وطن واحد
إن الطريق إلى سوريا موحدة يبدأ من لغة واحدة: لغة المحبة، والاحترام، والاعتراف بالآخر، والإيمان بأن هوية الوطن أوسع من كل الهويات الفرعية.
بهذه الروح فقط نستطيع حماية سوريا، ليس من مشاريع التقسيم على الورق، بل من التقسيم الذي قد ينبت في النفوس دون أن نشعر.



